ثقافة الدورة 75 لمهرجان كان السينمائي: بداية سياسية بإمتياز.. بقلم الناقد السينمائي طاهر الشيخاوي
بقلم الناقد السينمائي طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان
فيلم الإفتتاح كان اذا فرنسيا للمخرج "ميشال هازنافيسيوس" المشهور بمحاكاته الساخرة للسينما الأمريكية مثل أفلام جامز بوند، وكان قد تحصل شريطه "ذي ارتيست" سنة 2011 على العديد من الجوائز العالمية. "كوبي" (ِ!Coupez) هي العبارة التي يستعملها المخرجون عند نهاية تصوير اللقطة، يحيل مباشرة على شريط شينيشيرو اويدا الذي يحمل نفس العنوان في صيغة النفي.

أصبحت المحاكات في السينما الفرنسية تقليدا بالخصوص منذ الموجة الجديدة، لكنه على شاكلة خفيّة غير مباشرة، تندرج في اطار السينيفيلي، كإشارات تنويهية تعبر عن الاعتراف. أما عند هازنافسيوس فهي تميل إلى المزح أكثر منها إلى اعادة قراءة في استهداف واضح للترفيه الجماهيري. ولكن اللافت هو أن نزعة المخرج إلى إرضاء الجمهور ليست خالية من طرافة ومهارة وحب للسينما.
أثناء العشرين دقيقة الأولى يبدو الفيلم فعلا وكأنه من جنس أفلام الزومبي. مخرج يتعرض إلى العديد من الصعوبات، يعيد عشرات المرات نفس اللقطة وهي الأخيرة، يدخل في حالة من التأزم الشديد لما تدخل زومبيات حقيقية على الخط. يتخيّل للمشاهد أنه أمام شريط آخر يكرر للمرّة الألف نفس الأسلوب، ولكن تنقلب الأحداث فيأخذ الفيلم منحى جديدا غير منتظر، مثيرأ ومبهجأ. تظهر خفايا التصوير في مشاهد متتالية تجعلنا نعيد فعلا اكتشاف ما سبق أن شاهدناه في نسق محكم يفتك من المتفرج الابتسامة.

يوم الأربعاء يلج المهرجان سجلأّ أكثر جدّية : خمس ساعات مع بيلوكيو المخرج الإيطالي الذائع الصيت. فيلم خارج المسابقة، "خارجي ليلي" وهو أيضا عنوان مأخوذ من معجم تقنيات التصوير (ودليل آخر على نزعة السينما إلى قراءة ذاته). سلسلة موجهة للتلفزيون عن اختطاف رئيس الوزراء الإيطالي السابق ألدو مورو واغتياله في أواسط السبعينات. قراءة سياسية وسينمائية دسمة تنمّ على تجربة ومهارة فائقتين، يدور الفيلم على ذاته من زوايا مختلفة يتسع معها أفق تقبلنا للحدث فننتقل من عالم السياسة الملئ بالدسائس والغموض إلى أوساط اليسار المتطرف وما يحمله من طوباوية خطيرة إلى الوسط العائلي المقرّب من شخصية رئيس الوزراء مرورا بعالم الفنّ. شريط معاصر جدا وجدير بالاهتمام. لما انتهى العرض مع الساعة الثالثة مساء لم تتوقف قاعة دي بوسي عن التصفيق والتنويه.
مع الساعة الثالثة والنصف في قاعة لوميار الكبرى، عُرض آخر عمل للمخرج الروسي كيريل سيربرينيكوف "السيدة تشايكفسكي". شريط يصعب التشكيك في مشروعية وجوده في المسابقة الرسمية بالرغم مما يمكن أن يقال عن بعده السياسي، علما وأن المخرج الروسي تعرّض إلى العديد من المضايقات من السلطة بسبب مواقفه السياسية. كنا في دورة سابقة نوّهنا بشريطه ليتو. "السيدة تشايكفسكي" يروي قصة زوجة الموسيقار الكبير. امرأة ذات شخصية مثيرة تعرضت إلى العديد من الصعاب وقاست الآلام بسب تعلقها المطلق بالموسيقار الكبير الذي لم يكن يبادلها نفس الشعور.

يمزج المخرج العديد من القضايا وينحو منحى يضفي على العمل أبعادا اجتماعية وثقافية وفنية متعددة. الشريط روائي، موسيقي، يلازم فيه المخرج شخصية المرأة محاولا تفهّم مشاعرها بالرغم مما تحمله من تعقيد دون إنحياز أيديولوجي مسبّق. بعد العرض أبى كيريل سيربرينيكوف إلا أن يتقدم بكلمة معبّرا صراحة عن رفضه للحرب في اوكرانيا وعن أمله في أن تنتهي في أقرب الآجال.
بداية سياسية بامتياز تؤكدها البرمجة كما سنبيّن ذلك لاحقا.
ملاحظة: الصور من موقع المهرجان
الصورة الرئيسية لفريق فيلم الافتتاح "كوبي" (ِ!Coupez)